الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

399

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

في شيء من تحريم وتحليل إلا بما كان يحكم به نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - ، ولا يحكم بشريعته التي أنزلت عليه في أوان رسالته ودولته ، فهو - عليه السّلام - تابع لنبينا - صلى اللّه عليه وسلم - . وقد نبه على ذلك الترمذي الحكيم في كتاب ختم الأولياء ، وأعرب عنه صاحب « عنقاء مغرب » « 1 » ، وكذا الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح عقائد النسفي وصحح أنه يصلى بالناس ويؤمهم ويقتدى به المهدى لأنه أفضل منه ، فإمامته أولى . انتهى . فهو - عليه الصلاة والسلام - وإن كان خليفة في الأمة المحمدية ، فهو رسول ونبي كريم على حاله ، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحدا من هذه الأمة ، نعم هو واحد من هذه الأمة لما ذكر من وجوب اتباعه لنبينا - صلى اللّه عليه وسلم - والحكم بشريعته . فإن قلت : قد ورد في صحيح مسلم قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا ، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية » « 2 » وأن الصواب في معناه : أنه لا يقبل الجزية ، ولا يقبل إلا الإسلام أو القتل ، وهذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم ، فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها ولم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام ، وإذا كان كذلك ، فكيف يكون عيسى - عليه السّلام - حاكما بشريعة نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - ؟ فالجواب : أنه لا خلاف أن عيسى - عليه السّلام - إنما ينزل حاكما بهذه الشريعة المحمدية ولا ينزل نبيّا برسالة مستقلة وشريعة ناسخة ، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة . وأما حكم الجزية وما يتعلق بها فليس حكما مستمرّا إلى يوم القيامة ،

--> ( 1 ) هو كتاب « عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب » للشيخ محيي الدين محمد بن علي ، المعروف بابن عربى ، الضال المعروف . ( 2 ) صحيح : والحديث أخرجه البخاري ( 2222 ) في البيوع ، باب : قتل الخنزير ، ومسلم ( 155 ) في الإيمان ، باب : نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد - صلى اللّه عليه وسلم - ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - .